رسالة للفقهاء والحكام معا:

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

رسالة للفقهاء والحكام معا:

مُساهمة من طرف صوت الأمة في الأربعاء يناير 09, 2008 2:19 pm

رسالة للفقهاء والحكام معا

باسم الله الرحمان الرحيم والصلاة على محمدنا والآل وصادقي الصحب



نخلص من قراءة الفقه السلطاني الاسلامي الى أن أزمات التاريخ السياسي الاسلامي عكست نفسها في تنظيرات الفقهاء وهي صورة للواقع التاريخي الذي عاشه المسلمون في المجال السياسي، وهكذا تجاوزت الغالبية من فقهاء المسلمين الذين كتبوا في الشأن السلطاني، المثال الاعلى للدولة في الاسلام، واكتفوا بالنظر في الواقع التاريخي بعد أن تبدد الأمل باصطلاح الاحوال السياسية في بلاد المسلمين. وهنا نسجل بعض الملاحظات من خلال عرضنا السابق على النحو التالي:



ـ إن أول ملاحظة تكشف عنها الكتابات السياسية الاسلامية، أن ثمة اجماعاً اسلامياً مطبقاً على حفظ النظام ـ من منظور اجتماعي وليس سياسيا ـ،إذ اتفق المسلمون على اختلاف مدارسهم الفقهية والعقدية على أن "حفظ النظام من أوجب الواجبات، والهرج والمرج واختلال امور المسلمين من أبغض الاشياء لله تعالى، ولا يتم حفظ النظام الا بالحكومة(92)" استناداً على طائفة من الروايات الصحيحة عن النبي (ص) المبثوثه في كتب فرق المسلمين، حتى بات علماء المسلمين المتقدمين والمتأخرين يضعون من هذا المبدأ السياسي الاسلامي أصلاً في الاجتماع السياسي الاسلامي، فقد كبح الشهيد الشيخ حسن البنا في عقد الاربعينات من هذا القرن جموح الجماهير الملتّفة حول جماعة الاخوان المسلمين ورغبتها في الثورة، بغية تجنب الفتنة(93)"، كما ورد في كتاب (لماذ اغتيل الامام الشهيد ص73)ما نصه:" أن الاخوان العائدين من حرب فلسطين وقد رأوا مخطط الملك في ابادة الاخوان بدأ تنفيذه استأذنوا الامام البنا في ردع الملك، فقال رحمه الله "أتريد أن تشعلها حرباً أهلية كالتي وجدت في اليونان..إنما نصبر ونحتسب ونحقن الدماء". ومما يروى عن الشيخ محمد تقي الشيرازي قائد ثورة العشرين 1920م في العراق أنه تمنّع ـ في بداية الامر ـ عن اصدار فتوى للشعب العراقي بالثورة، ودخل في جدال عريض مع زعماء العشائر الشيعية وقال "أخشى أن يختل النظام ويُفقد الامن. وإن الامن أهم من الثورة وأوجب منها"، وحين طمأنه زعماء العشائر وتعهدوا له بحفظ الامن أصدر فتواه الشهيرة في 23 يناير 1919 (ليس لأحد من المسلمين أن ينتخب أو يختار غير المسلم للامارة والسلطنة على المسلمين)(94).



ولكن خلف الاجماع الاسلامي الصلب على وجوب حفظ النظام تقبع اشكالية جوهرية تتجاوز موضوع حفظ النظام وطاعة الامير، وتحدق في النتائج التي أسفرت عنه في واقع البحث والتأصيل الشرعي لنظام الحكم في الاسلام، فكثافة الاحكام القاضية بتحريم الخروج أدت الى مصادرة الحديث عن أي شكل للسلطة، لأن التحريم يفتح الباب واسعاً أمام أي طريقة للحكم وأي شكل للسلطة.



ومصدر الخطر في ذلك اندفاع الفقهاء للاستناد على الاحاديث الناهرة عن العصيان السياسي لتبرير تجاوزات السلطة. فقد تأوّلت طائفة كبيرة من الفقهاء تلك الاحاديث للخروج من مأزق المسئولية الشرعية وضمان السلامة في الدين والدنيا، فاعتزلوا ميدان السياسة ونبذوا البحث في شؤون الدولة، وفضلوا السكوت على جور الحكام، والتزام الصمت حيال المظالم السياسية والاجتماعية خشية السقوط في الفتنة التي حذّرت منها الاحاديث، فيما قرر قسم من العلماء والفقهاء ـ استناداً على تلك الاحاديث ـ مخالطة السلطان ومعونته ودعوة الناس الى طاعته والتحذير من الخروج عليه، وكان للاستبداد السياسي دور كبير في تعزيز نمط التفسيرات الحرفية تلك.



لقد كان الخوف من الوقوع في الفتنة مبرر تحريم الخروج ولكنه حقق أكبر انتصار للسلطة على العلماء، فتراجع كثير من الاحاديث الداعية الى مقاومة الظلم حتى في حدوده الدنيا "افضل كلمة حق عند سلطان جائر"، ولذلك شرعنّ الفقهاء التعايش مع السلطات الظالمة لاجتناب الفتنة ليتحول فيما بعد الى مبدأ فقهي/سلطاني عام يملي حكماً بالطاعة لكل سلطان جائر حتى وإن توفرت الظروف والامكانيات لاستبدالة(95).



وباستناء قلة نادرة من العلماء، وضعت خيار الثورة على الجائر في حال طغيانه وامكانية الاطاحة به واستبداله (القاضي عبد الجبار، الشريف المرتضى..)، الا أن الغالبية استعاضت عن الثورة باستعمال أقصى الاساليب الوعظية عبر دعوة السلاطين والامراء للورع والخشية من الله سبحانه وتعالى والتحذير من العقاب الأخروي، ولهذا السبب أكدوا على لزوم التناصح بين العلماء والامراء للحيلولة دون تسرب الفساد لمؤسسة الحكم والحد من طغيان السلطان.



ولعل من أفدح الخسارات أن الفقهاء الذين سلّموا للسلطة أياً كانت لم يعطّلوا امكانية مساءلة السلطة عن اعمالها فحسب، بل عطّلوا امكانية نشوء فكر سياسي وتقاليد سياسية، ويقرر د. محمد جابر الانصاري بما نصه:"فإن غلبة سلطة الأمر الواقع من دون اعتبار للضوابط المبدئية التي وضعها الاسلام للسياسة، قد حالت دون نمو الفكر السياسي الاجتهادي في النظرية والتطبيق خصوصاً "فالسلطان هو من قتل السلطان" كما أصبح العرف في السياسة المملوكية التي آل اليها مصير العرب السياسي بلا بيعة أو مشاورة(96)".



ولعل من المصادفات التاريخية المثيرة للاستغراب، أن المسلمين ـ والفقهاء بدرجة أساس ـ كانوا طيلة التاريخ السلطاني الاسلامي أمام خيارين: إما التسليم بسلطة مستبدة، شمولية، مركزية، أو الانفلات والفتنة، وكأنما التاريخ استجاب لفحوى النص القائل "سلطان غشوم خير من فتنة تدوم"، فاستجابت الجماعة لتوجيه النص، وقبلت التسليم للسلطان الجائر، واذا ما تصاهر الشرع والحكم فإن طاعة الحاكم الجائر تصبح واجبة، تبعاً لالتحام: الشرع والسلطان والجماعة، إذ الاتفاق قائم بين جميع المسلمين على أن تطبيق الشريعة مقترن بوجود السلطة ووحدتها، كما أن الاتفاق قائم على اقتران وحدة الجماعة بوحدة السلطة، ولا شك تبعاً لذلك أن انهيار السلطة مصوّب للدين نفسه، كما أن تهديدها أو الخروج عليها يعتبر تهديداً للدين والخروج عليه.



وطالما التصق مصير الدين بمصير السلطة، فإن العلماء تجاوزوا عن أي شكل للسلطة، وأصبح للسلطان الحرية الكاملة في ممارسة سلطته كيفماء شاء، طالما بقيت ـ أي سلطته ـ خارج دائرة المحاسبة والمراقبة فهي مصانة ومحمية بطريقة غير مباشرة من الدين الذي يرى العلماء بقاءه في بقاء السلطة.



ـ أوقع نمط التفسيرات الحرفية للنص، علماء المسلمين في ثنائية مربكة ومعوّقة: فبينما وقع علماء السنة في حصار بين الخروج وحفظ النظام، وقع علماء الشيعة في حصار بين: حفظ النظام والخروج (كل راية تخرج قبل راية الامام المهدي فهي راية ضلال) وتالياً اعتبار اقامة الدولة في عصر الغيبة مصادرة لحق الامام المعصوم.ولذلك تعطّلت امكانية فكرة الدولة الشرعية لعطالة فكرة المقاومة.



ـ مما يثير الانتباه ويبعث على الاسى، أن أعلام المذاهب الاسلامية وهم في حالة سعي حثيث لسبر غور المسائل الشرعية غير المحلولة في زمانهم، والتي انصرفوا لاشباعها بحثاً وتحقيقاً ظهر في تراث فقهي ضخم وثري، وجدنا في المقابل أن ملكات ابداعهم تقصر عن تقديم فقه سياسي متطور، إذ ظلت ـ ومازالت ـ المفردات الكبرى في السياسة الاسلامية مثل:البيعة، الشورى، الخلافة ـ الامامة، أهل الحل والعقد، دار الاسلام ودار الحرب، غير محسومة وفي بعض الاحيان يلفّها الغموض حتى بات المتأخرون ينخرطون بكثافة للتعويض عن الجهد غير المبذول من جانب العلماء المتقدمين في هذا المجال، سعياً الى تأصيل هذه المفاهيم شرعياً، مع ما تثيره الابحاث المتأخرة من تباينات حادة في جهات الرؤية، بالنظر الى الانشعاب العظيم الذي جرى في المجال السياسي الاسلامي في وقت مبكر ثم انسيابه في صراعات على السلطة، وحروب اهلية تشعلها وقود الاطماع السياسية، حتى بات الجميع ينشد يوتيبا الامامة ـ الخلافة التي لم تتجاوز كونها مؤسسة تاريخية رمزية غير سارية المفعول وغير ممتدة في حركة تاريخ جماعة المسلمين، فيما صار خيار التعايش والتنظير لسلطة الوقت القائمة على القهر والغلبة خياراً نهائياً وكافياً بحسب فحاوى الاحكام السلطانية.



فما غاب في التاريخ السياسي الاسلامي، غاب ايضاً في الفقه السياسي الاسلامي، فغياب الشورى والبيعة وأهل الحل والعقد وغيرها من آليات للمشاركة السياسية وعدم تمؤسسها في الحياة السياسية الاسلامية، قابله أيضاً غياب هذه المفاهيم في التنظير الفقهي الاسلامي، بحيث لم يعد بالامكان قراءة هذه المفاهيم الا من خلال المدرسة السياسية الحديثة، بعد أن أعيت المتأخرون الحيلة في العثور على مفاهيم سياسية اسلامية متطور قادرة على مضاهاة نظيرها الغربي.



ـ إن الدولة التي قامت في التاريخ العربي والاسلامي صادرت خصوصيات الامة ومميزاتها واستحقاقاتها ولم تتحول الى دولة/الامة وانما دولة الاسرة، السلالة، الفرد..بمعنى آخر أن الدولة في التاريخ العربي الاسلامي لم تعبر عن الامة تعبيراً جزئياً أو كلياً ولم تعبر عن ارادة الامة وهويتها لغياب دورها، وهذا مانظّر له الفقهاء وشرّعوا له. وعلى هذا الاساس، فإن الدول الاسلامية التاريخية بطابعها التجريبي ـ حسب د. الانصاري ـ مرتهنة للظرف التاريخي الذي نشأت فيه كل دولة، من حيث اعتمادها طريقة محددة في الحكم، بحيث لا يمكن قراءة النظام السياسي الاسلامي من خلال سيرة الدول الاسلامية التاريخية، التي قد لا تعبّر بصورة جزئية أو كلية عن المضمون الحقيقي والدقيق للحكم الاسلامي، كما أن الكتابات السلطانية الاسلامية التي ظهرت في تاريخ الدويلات الصغيرة في ديار المسلمين تبقى أسيرة الظرف التاريخي الاستثنائي أيضاً، بما يجعل قراءتها محبوسة ضمن ذلك الظرف التاريخي الذي تنقطع معه بتبدّل ذلك الظرف، إذ لا نتعامل هنا مع مراكمة سياسية نظرية أوعملية وإنما مع تجارب تاريخية مقطوعة السياق، ما تلبث أن تطويها تجربة جديدة، ويذويها فكر جديدة ناشيء عن تلك التجربة، وهكذا تتواصل التجارب والافكار وتتواصل الانقطاعات، وحينئذ لابد من عملية فصل بين الثابت والمتحول في المجال السياسي الاسلامي.



ـ لقد تأول علماء المسلمين المتأخرين حوادث التاريخ الاسلامي بما يدافعون به عن الاسلام قبالة هجمات التيارات العلمانية اليمينية واليسارية، وتطلبت تلك المدافعة تكييف تاريخ المسلمين مع روح العصر ووفق التصورات الجديدة، على أن العلماء مازالوا يشعرون بالحرج في الخروج من إسار التاريخ فضلاً عن نقده وتقويمه، وهكذا يتحول التاريخ الى (عقيدة) يدين بها الفقهاء والمفكرون الاسلاميون للاستدلال به واعتباره مصدراً من مصادر الشرعية يصل احياناً الى مستوى الكتاب والسنة، رغم ما تتطلبه النهضة الاسلامية من اعادة وعي التاريخ عبر قراءات نقدية تقويمية وجريئة تجريدية


صوت الأمة

ذكر عدد الرسائل : 37
العمر : 52
تاريخ التسجيل : 08/01/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.iqrae.org

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى